علم السموم الجنائي .. وحالات مع الطب الشرعي

أ. محمد الغامدي

صيدلي بوحدة التفتيش الصيدلي بإدارة الالتزام – صحة جدة

ما هو علم السموم الجنائي وتعريفه؟

 قد يبدو مصطلح علم السموم الجنائي أو الشرعي «Forensic Toxicology» صعباً وغير معروف على نطاق واسع، فهو مزيج للعديد من التخصصات العلمية مثل الصيدلة والكيمياء التحليلية والكيمياء السريرية وعلم الأمراض وبعض العلوم البيئية. ويساعد هذا العلم في التحقيق الطبي أو القانوني لحالات الوفاة والتسمم وتعاطي المخدرات [1].

  علم السموم الجنائي هو العلم الناتج عن دمج كل من الطب الشرعي مع علم السموم، حيث يمكن تصنيف الطب الشرعي بشكل أساسي على أنه سلسلة من الاختبارات والتقنيات التي تستخدم لاكتشاف وتحديد الجرائم المرتكبة. وفي الجانب الآخر، فإن علم السموم هو تخصص يتداخل مع علم الأحياء والكيمياء والصيدلة والطب، ويشمل دراسة الآثار الضارة للمواد الكيميائية على الكائنات الحية، كما يبحث في أصل السم وتحليله وطرحه في الكائن الحي وفي طرق العلاج والتقليل من السمية[1] [2]. 

الفائدة من علم السموم الجنائي وتطبيقاته

 هناك الكثير من المواد والسموم في عالمنا – يؤثر العديد منها على كيفية أداء الأعمال في العمل والمجتمع، كما يمكن لهذه المواد أن يكون لها تأثير مباشر للوفاة. يستخدم علم السموم الجنائي لتحديد المواد الكيميائية التي يتم تناولها أوعرضها في مسرح الجريمة، بما في ذلك العناصر النادرة. كما تُحدد النتائج التي يتوصل إليها أخصائي علم السموم ماهية المواد الكيميائية الموجودة، وتركيزها، وتحديد وقت تناولها.

 تطورت استخدامات وتطبيقات علم السموم الجنائي ليعنى بدراسة المخدرات غير المشروعة ومعدلات السمية لمعظم الأدوية، كذلك التعرف على السموم والمواد الكيميائية الخطرة. يتم دراسة التركيب الكيميائي لكل مادة، والتعرف عليها أيضاً من مصادر مختلفة مثل البول أو الشعر. يتعامل علم السموم الجنائي مع الطريقة التي يتم بها امتصاص المواد Absorption  أو توزيعها Distribution أو عملية استقلابها Metabolism أو إخراجها من الجسم Excretion، وتشكل جميعها مصطلح (ADME). يصف مصطلح ADME حركية العقاقير داخل الكائن الحي، فعلى سبيل المثال يستغرق تناول المواد الأفيونية المأخوذة في شكل أقراص حوالي ساعة للدخول إلى مجرى الدم، في حين يؤدي حقن مادة أفيونية مثل الهيروين إلى امتصاص أسرع، وبالتالي إلى تفاعل أسرع مع المادة[1]،[3]. 

أهمية علم السموم الجنائي 

لتوضيح أهمية علم السموم الجنائي سيتم استعراض خمس حالات في علم السموم كتبت بواسطة الطبيبة الشرعيّة الدكتورة جودي ملينك (Dr. Judy Melinek) [4]، وهي المدير التنفيذي لشركة .Pathology Expert Inc، حيث تقوم بالتشريح في مكتب مأمور شرطة مقاطعة ألاميدا في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية، كما أن لديها كتاباً شاركت في تأليفه مع زوجها ومتوفر كنسخة ورقية باسم “Working Stiff, Two Years, 262 Bodies, and the Making of a Medical Examiner”

وفيما يلي سيتم استعراض الحالات التي توضح أكثر الأخطاء الشائعة التي يرتكبها أطباء الطب الشرعي في علم السموم الجنائي.

• الحالة الأولى: عدم عمل تقرير السمية 

 هناك رجل ميت في شاحنة مقفلة، مُمدد على السرير وبدون ملابس، لا توجد أي آثار للمخدرات في مكان الحادث، أو علامات لعمل عدواني. كشف الطبيب الشرعي المحلي أن التاريخ الطبي للمتوفى شمل خراج الأسنان الذي لم يتم علاجه، ووقع شهادة الوفاة دون إجراء تشريح للجثة. قام ذوو المتوفى بمقاضاة طبيب الأسنان. وعند مقاضاة طبيب الأسنان فما هو أول شيء يطلبه مستشار الطب الشرعي في هذه الحالة؟ بالتأكيد فإن الإجابة هي تقرير علم السموم، ولحسن الحظ قام المحقق المختص بتجميع ما يكفي من الدم والأنابيب الزجاجية لإجراء تحليل للسمية – وباستعراض نتائج تقرير علم السموم أظهر مستوى مرتفعًا للميث امفيتامين (الشبو) Methamphetamine. ويتداخل هذا الاكتشاف مع علم الأمراض السنية «Meth mouth» وهو تسوس حاد في الأسنان وفقدان لها، وكذلك كسر لها أو تآكل بسبب الأحماض وغيرها من المشاكل الفموية، نتيجة الاستخدام السيئ لعقار الميث امفيتامين. ساعد ذلك محامي طبيب الأسنان في الدفاع عنه في الدعوى المرفوعة عليه، حيث تبين أن الوفاة ليست بسبب خراج الأسنان غير المعالج، بل كانت بسبب الاستخدام السيئ للميث امفيتامين. 

الدرس المستفاد من هذه القصة: لا يعني عدم وجود أي عقاقير أو مواد مخدرة في مسرح الحادثة بأنه لا يجب عليك إجراء تشريح للجثة وجمع عينات للسموم، خاصة إذا كان المتوفى لديه تاريخ من سوء الاستخدام المزمن.

• الحالة الثانية: عدم التواصل مع مختبر علم السموم 

 امرأة صغيرة مصابة بالشيزوفرنيا (الفصام) والذهان، استدعى شريكها في الغرفة رجال الشرطة. وعند حضورهم وجدوها تصرخ وتلوح بمفك البراغي، وتقدمت نحو أحدهم فأطلق عليها النار حتى ماتت. تُعتبر جروح الأعيرة النارية سبباً واضحاً للوفاة، ولكن فيما يتعلق بعلم السموم يهمل أخصائي الطب الشرعي إبلاغ أخصائي علم السموم بالأدوية الموصوفة للمريضة. كان تقرير علم السموم سلبياً، حيث كتب الطبيب الشرعي في تقريره أن المتوفية لم تأخذ الدواء في وقت وفاتها، ولم يتصل بالمختبر للتأكد من أن المريضة لم تتناول أي أدوية نفسية قبل وفاتها، وقام بهذه المهمة مراسل صحيفة محلية بعد عدة أسابيع من وفاتها، وكانت المفاجأة عندما أجرى مختبر السموم اختبارات لمضادات الذهان الموصوفة، أن النتيجة إيجابية وأن المريضة قد تناولت هذه الأدوية؛ نتيجةً لذلك تضررت سمعة الطبيب الشرعي. 

تذكر دائماً أن النتائج القائمة على الاختبارات الروتينية لن ترصد جميع الأدوية، ومن المفيد دائماً التحقق من عمل اختبارات محددة لأي أدوية كان المتوفى يتناولها.

• الحالة الثالثة: النظر فقط في الأرقام 

 في إحدى الأمسيات الصيفية الحارة، وجد حارس عيادة الأمراض المزمنة جثة لامرأة في منتصف العمر في سيارتها المتوقفة خارج العيادة، حيث لا تزال تمسك بمفاتيحها ومحفظتها بيديها مع العلم أنها قد شوهدت في العيادة صباح ذلك اليوم قبل ساعات من الوفاة. وجد أخصائي  تشريح الجثة مستويات عالية من المسكنات الأفيونية (opioid analgesics)، وحدد أن الوفاة كانت جرعة مفرطة. قاضت الأسرة عيادة الأمراض المزمنة ومصنع الأدوية، ولكن مع استعراض السجلات الطبية للمرأة الميتة تم اكتشاف تشخيص سابق لعدم انتظام ضربات القلب لديها. التساؤل: ما هي مستويات الدواء (المسكنات الأفيونية)؟

الإجابة: لقد كانت عالية بالفعل؛ لأن المتوفية استخدمتها منذ فترة طويلة بشكل منتظم، ويمكن السبب في أنها مرتفعة بشكل زائف نتيجة لإعادة توزيع الدواء في الجسم بعد الوفاة، وهو الانتشار السلبي للمخدرات في الجسم المتحلل والذي يمكن أن يسبب مستويات أعلى عند الكشف للمتوفى عما إذا كان الشخص على قيد الحياة. تجاهل الطبيب الشرعي مرض القلب للمرأة، واعتبر الوفاة نتيجة استخدام المسكنات الأفيونية، لأن مستويات الأفيون كانت عالية دون النظر لباقي الاحتمالات. 

يستفاد من القضية السابقة: أنه لا يمكنك التركيز فقط على الأرقام – بل عليك أن تنظر إلى القضية بأكملها، ففي هذه الحالة تشير الوقائع إلى توقف القلب المفاجئ وليس إلى الموت البطيء بسبب القصور التنفسي كما هو معروف للأعراض الجانبية للجرعات الزائدة من الأفيونات (opioid).

• الحالة الرابعة: عدم وجود تحقيقات لمشهد الوفاة 

امرأة مسنة لم تستيقظ في الصباح، فاتصل زوجها على 911، ويقول إنها كانت تشخر طوال الليل، وأعُلن عن وفاتها في غرفة الطوارئ. عند تشريح الجثة حدد الطبيب الشرعي الحالة كموت بسبب مرض طبيعي كالسكتة القلبية. بعد ذلك، أثناء الإعداد لتجهيز المنزل للجنازة، وجد الزوج زجاجات الدواء التي وصفها الطبيب حديثًا ولكنها فارغة، وأوصلها إلى مكتب الطبيب الشرعي. في تقرير علم السموم، ظهرت مستويات عقاقير المرأة عالية ولكن ضمن نطاق علاجي، لذلك لم يعتبر الطبيب الشرعي التسمم كسبب للوفاة، وأثناء تشريح الطبيب للجثة كانت المثانة ممتلئة، وكان ينبغي أن تكون قد دفعته إلى إلقاء نظرة فاحصة على تقرير علم السموم. قد يكون احتواء المثانة على 400 أو 500 ملليتر من البول إشارة على أن شيئاً ما تسبب في قصور الجهاز العصبي المركزي، ففي جميع الحالات حتى في حالة الشخص الفاقد لوعيه نتيجة المسكرات سوف يستيقظ ويذهب إلى الحمام للتبول. اتضح أن هذا كان انتحاراً بسبب جرعة زائدة من دواء وصفة طبية. ففي الواقع لم تكن المتوفية نائمة في الفراش فحسب، بل كانت في غيبوبة، وكان جسدها يقوم باستقلاب الأدوية لساعات طويلة أثناء فقدان الوعي. أيضاً لو أن زوج المتوفية لم ينبه الطبيب الشرعي فسيكون وصف الوفاة بأنها وفاة طبيعية.

المستفاد من هذه القصة أنه عند موت مريض في المستشفى قد لا يذهب المحققون إلى المشهد الرئيسي لجمع الأدلة مثل الأدوية في هذه الحالة. 

• الحالة الخامسة: لا يعني تقرير السمية السلبي أن الوفاة ليست متعلقة بالتفاعلات الدوائية

تمّ حجز مريض نفساني في السجن، وقام الطاقم الطبي في السجن بتغيير علاج المريض المعتاد والذي كان أحد أنواع مضادات الذهان إلى علاج آخر. أصيب بحمى شديدة مع حالة ذهنية متغيرة، وتم أخذه إلى المستشفى، حيث أوقف هذا الدواء. مات بعد أسبوع نتيجة التهاب رئوي وفشل كلوي من انهيار العضلات. تأتي عينات الدم من المختبر سالبة لجميع الأدوية، لذا قام الطبيب الشرعي بالتشاور مع أخصائي علم السموم، وعند مراجعة أخصائي علم السموم للسجلات الطبية خلص إلى أن التغيير في الأدوية الموصوفة في السجن قد يكون سبباً في حدوث تفاعل مميت. 

يمكن أن تأتي اختبارات تعاطي الأدوية بعد الوفاة سالبة لأسباب عديدة، ويمكن أن تؤدي تفاعلات الأدوية الدوائية والتأثيرات العكسية إلى الموت بعد أيام أو حتى أسابيع من حدوثها. في بعض الأحيان قد لا يكون سبب السمية للوفاة واضحاً بدون مراجعة شاملة للسجل الطبي والتشاور مع أخصائي علم السموم.

كما يتضح من الحالات الخمس السابقة بأنها معقدة جداً، فقد تحدثت الطبيبة من خلال عملها كممارسة في مجال الطب الشرعي عن قضايا في مكتبها تصلها اسبوعياً العديد من الحالات، وتشير الطبيبة إلى أن معظمها بسيطة التفسير، مثل جروح إطلاق النار مع تعاطي الكوكايين أو العبث بجرعة زائدة ومستوى عال من الهيروين مع إبرة في الذراع. إضافة إلى أن هناك قضايا أكثر تعقيداً كوجود حالة وفاة بدون معرفة السبب، وفي هذا الوضع تكم الصعوبة، ولكن من حسن حظها أنها تستفيد دائمًا من استدعاء أخصائي في علم السموم من أجل الحصول على المشورة، لأنها أي الدكتوره واثقة من أن علم السموم سوف يكشف لها شيئًا ما. وفي النهاية فهي الشخص الوحيد الذي يسطيع أن يقدم التوضيح العلمي لأسباب وطريقة الوفاة، كما يجب عليها أن تتمكن من الدفاع عن سبب تحديد الوفاة لدى المحكمة. 

ختاما، ومن خلال النظر إلى الحالات السابقة وما تضمنته عند التحقيق في الوفيات من تقارير ونتائج في مجال السمية، يلاحظ أهمية علم السموم الجنائي  ودوره المساعد في تحديد أسباب الوفاة الحقيقية.

رابط المقال:

https://www.forensicmag.com/article/2015/10/five-case-studies-forensic-toxicology

المراجع:

1. Lappas, N. and Lappas, C. (2016). Forensic toxicology. China; Shirley Decker Lucke.

2. Los Angeles Forensic Toxicology Expert Witness. (2019). What is Forensic Toxicology & How is it Useful?. [online] Available at: http://www.okorieokorocha.com/science-behind-forensic-toxicology/ [Accessed 5 Jan. 2019].

3. Exploreforensics.co.uk. (2019). Forensic Toxicology. [online] Available at: http://www.exploreforensics.co.uk/forensic-toxicology.html [Accessed 5 Jan. 2019].

4. Melinek, J. (2019). Five Case Studies in Forensic Toxicology. [online] Forensic Magazine. Available at: https://www.forensicmag.com/article/2015/10/five-case-studies-forensic-toxicology [Accessed 5 Jan. 2019].

Be the first to comment

شكرا لك على تعليقك،