تقنيات التحليل الآلي المتقدمة وتطبيقاتها الجنائية

د. محمد بن فهد العجمي

كلية الصيدلة – قسم العقاقير

جامعة الملك سعود – الرياض

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on email
Share on whatsapp

مقدمة:

تعتبر الأدوية المساء استعمالها (المخدرات) والسموم مشكلة مؤرقة للمهتمين بالصحة والبيئة في جميع دول العالم. وتتطلب مكافحة انتشار هذه المواد أو التعرض لها تطوير أنظمة محكمة واستعمال تقنيات تحليل عالية الدقة والحساسية والاختيارية، خصوصاً عند تحليلها بتراكيز صغيرة جداً كما هو الحال في التحليل الجنائي لهذه المواد (وغيرها من المواد) في السوائل والأنسجة المأخوذة من الإنسان أو المنتشرة على أسطح أو المختلطة بعينات معقدة مثل التربة. تطورت تقنيات التحليل الآلي لهذه المواد تطوراً مذهلاً خلال السنوات العشر الماضية؛ مما نتج عنه حساسية في التحليل تصل إلى مستويات فيمتوجرام في الليتر الواحد (ppp)، ودقة عالية تستطيع التمييز بين المركبات إلى مستوى أربعة أو خمسة أرقام بعد الفاصلة للكتلة مثلاً.
وفقاً لمجموعة العمل العلمية لتحليل الأدوية (١) وحسب قدرات أجهزة التحليل التفريقية (Resolution) فإن تحليل المواد ينبغي أن يمر بمرحلتين:
المرحلة الأولى، مرحلة المسح: وتستعمل فيها أجهزة شرهة جداً للموادhigh affinity  ورخيصة وسهلة التناول مثل التحليل اللوني، والتحليل باستخدام تقنيات ELIZA، وذلك لتحديد وجود المجموعة التي تنتمي لها المادة، والنتيجة إما إيجابية أو سلبية فقط دون تحديد لمعلومات تفصيلية عن ماهية المادة أو كمياتها. ولذلك يحتاج المحلل إلى المرحلة الثانية، وهي مرحلة تأكيد التحليل (Confirmation)  والتي يستعمل فيها أجهزة عالية الدقة والحساسية ولها القدرة على تحديد ماهية المادة وكمياتها، إضافة إلى قدرات تفريقية عالية كما سبق الإشارة إليه.
وسنستعرض في هذه المقالة أنواع تقنيات التحليل المعتمدة على الكروماتوغرافيا والمستعملة في التحليل الجنائي وتحليل المواد التي يساء استعمالها والسموم مع التركيز على التقنيات الحديثة المستعملة في مرحلة تأكيد التحليل (Confirmation step) مع استعراض مختصر لتقنيات التحليل التقليدية.
  • كروماتوغرافيا الطبقة الرقيقة (Thin Layer Chromatography, TLC).
  • كروماتوغرافيا الغاز المرتبط بمطياف الكتلة (GC-MS).
  • كروماتوغرافيا السائل عالي الأداء (HPLC).
  • مطياف الكتلة المزدوجة (LC-MS-MS).
  • مطياف الكتلة ذو مصدر التأين المباشر اللحظي (DART-QTOF Or DART-MS).
كروماتوغرافيا الطبقة الرقيقة TLC:
كروماتوغرافيا الطبقة الرقيقة هي أقدم وسائل الفصل والتحليل. تحظى كروماتوغرافيا الطبقة الرقيقة باستعمال واسع في علوم السموم والعلوم الجنائية، نظراً لسهولة تطبيقها ورخص ثمنها وكفاءتها العالية في الفصل، إضافة إلى حساسيتها العالية (٢).
طريقة العمل: يتم تذويب العينة في مذيب متطاير، وتوضع نقطة صغيرة على بعد ١-٢سم من حافة طبق زجاجي مستطيل (١٠سم × ٥سم) مغطى بطبقة رقيقة من السليكا العادية أو المحورة، وبعد تطاير المذيب يوضع الطبق في وضع رأسي في وعاء فيه كمية من مذيب (خليط من مذيبات) عضوي، بحيث ينغمس جزء من الطبقة السفلى (مما يلي نقطة العينة في المذيب)، ويغطى الوعاء ويترك المذيب يتحرك إلى الأعلى من خلال طبقة السليكا الرقيقة حاملاً معه العينة والتي تتوزع مكوناتها وتنفرد عمودياً على الطبقة الرقيقة بناء على التنافس بين الذوبان في المذيب والامتزاز على الطبقة الرقيقة. المركبات التي تفضل الذوبان في المذيب سترتفع مع المذيب، في حين أن المركبات التي تفضل الامتزاز على الطبقة الرقيقة أكثر ستتأخر عن حركة المذيب، وبهذا تنفصل مكونات العينة طولياً عن الطبقة الرقيقة.
بعد ذلك يترك الطبق ليجف من المذيب ثم يتم الكشف عن المكونات المنفصلة تحت الأشعة فوق البنفسجية أو رشها بمواد تظهر هذه المكونات وتعطيها ألواناً مميزة.
استعمال هذه التقنية كان كيفياً، وذلك بالتعرف على المركبات بدلالة مادة قياسية معروفة وموضوعة على الطبقة ومقارنة المسافة التي قطعها المركب في العينة بالمسافة التي قطعتها المادة القياسية نسبةً إلى المسافة الكلية التي قطعها المذيب وتسمى (Rf).
حديثاً تمت أتمتة هذه التقنية في صورة كروماتوغرافيا الطبقة الرقيقة عالية الأداء (HPTLC)، وأصبحت تستعمل كمياً وكيفياً.
أيضاً تم استحداث مجموعة تحليل متكاملة محمولة تسمى microTLC للتطبيقات الجنائية والعسكرية المختلفة (شكل ١) (٢).
شكل ٢، يمثل أحد التطبيقات؛ حيث يستعمل في تحليل بقايا المتفجرات (CL-20, Explosive D, HMX, NG, PETN, Picric Acid, RDX, TNT, Tetryl, HMTD, TATP)  في التربة بمستويات تعّرف دُنيا تصل إلى نانوجرام (شكل ٢).
لهذه التقنية استعمالات كثيرة جداً في تحليل المخدرات والسموم والمتفجرات والأدلة الجنائية والأحبار والصبغات وغيرها.
ولها استعمال شهير في مقارنة الأحبار والصبغات المأخوذة من الأدلة الجنائية؛ حيث إن الصبغات غالباً ما تحتوي على مركبات فريدة تميز الصبغة أو الحبر.
شكل 1: مجموعة تحليل microTLC.
شكل ٢: صورة تحليل TNT (إلى اليسار) و PETN و RDX (إلى اليمين) باستعمال microTLC.
كروماتوغرافيا الغاز المرتبط بمطياف الكتلة GC-MS:
تعتمد نظرية عمل كروماتوغرافيا الغاز على تبخير عينات المواد المتطايرة عند درجة حرارة كبيرة نسبياً (١٠٠-٣٠٠مْ) في نظام مغلق ثم تمريرها عبر عمود طويل (٢٥-٥٠ متر)، حيث تنفصل مكونات العينة بالتنافس بين دفع غاز خامل لها خلال العمود وبين الامتزاز على طبقة رقيقة تبطن العمود (شكل ٣).
كواشف المواد في هذه التقنية متعددة، ولكن أشهرها في الوقت الحاضر هو مطياف الكتلة ذو مصدر التأين المعتمد على النسف الإلكتروني  (GC-EI-MS)، إضافة إلى كاشف وقت الرحلة  .TOF
ينتج عن كروماتوغرافيا الغاز المرتبط بهذا النوع من مطياف الكتلة، تكسر للعينة ولكن بصورة منظمة منطقية لينتج عن ذلك معلومات ثرية جداً حول التركيب الكيميائي لمكونات العينة، مما يساعد في التعرف على هوية تلك المكونات بدلالة قواعد معلومات ومكتبات مخزنة في الجهاز.
يعتبر كروماتوغرافيا الغاز المرتبط بمطياف الكتلة (GC-MS) أحد أعمدة التحليل الجنائي، حيث يشكل أهم تقنيات مرحلة التأكيد لكثير من المبيدات الحشرية والسموم والمخدرات المتطايرة، وكثير من الأدلة الجنائية بعد تحويرها كيميائيا إلى مواد قابلة للتطاير.
إن شيوع استعمال هذه التقنية في معامل الطب الجنائي أدى إلى تطوير مكتبات متخصصة لمجموعات من المواد المذكورة أيضاً. على الرغم من فائدة هذه التقنية العظيمة إلا أنها غير صالحة لتحيل المواد المتفجرة والمواد شديدة القطبية (إلا بعد تحويرها كيميائياً)؛ الأمر الذي يجعل تحليل العينة طويلاً ومرهقاً في بعض الأحيان ومكلفاً.
شكل ٣: كروماتوغرافيا الغاز المرتبط بمطياف الكتلة.
كروماتوغرافيا السائل عالي الأداء (HPLC):
تشبه نظرية عمل كروماتوغرافيا السائل عالي الأداء إلى حد كبير نظرية كروماتوغرافيا الطبقة الرقيقة (TLC) عدا أن السيليكا هنا ليست طبقة رقيقة مثبتة على طبق زجاجي، وإنما بودرة مكونة من حبيبات ذات حجم صغير جداً مضغوطة في عمود حديد مقاوم للصدأ، ويمر المذيب السائل حاملاً العينة المذابة فيه خلال هذا العمود تحت ضغط ثم تنفصل مكونات العينة بنفس نظرية التنافس المذكورة في الطبقة الرقيقة. يتم الكشف عن المركبات بعدة كواشف؛ إما بالأشعة فوق البنفسجية أو بمطياف الكتلة أو غيرها.
يتميز كروماتوغرافيا السائل عالي الأداء بمقدرته التفريقية (Resolution) العالية، وقصر مدة التحليل. تستعمل هذه التقنية لتحليل طيف كبير من المركبات العضوية ما عدا المركبات الغازية أو سريعة التطاير.
تعتبر كروماتوغرافيا السائل عالي الأداء المنفرد أو المرتبط بمطياف الكتلة أو الكتلة المزدوجة من أهم أجهزة التحليل في العلم الجنائي، خصوصاً أنه يستطيع استيعاب أعداد كبيرة من العينات، ويتميز بثباتية عالية في محددات التحليل، لذلك لا تتغير نتائج التحليل كثيرا حتى بعد تحليل أعداد كبيرة من العينات.
لذلك ما زال يعد الخيار الأفضل في المرحلة التأكيدية لتحليل المخدرات والسموم غير المتطايرة والمركبات ذات القطبية العالية في حال عدم توفر الأجهزة المتقدمةعند ربط هذه التقنية بمطياف الكتلة يصبح الجهاز قادراً على التحليل الكيفي والكمي على حد سواء.
في الآونة الأخيرة تم ربط هذه التقنية بمطياف الكتلة المزدوجة (LC-MSMSأوLC-QTOF) فأصبح من الممكن التعرف على المخدرات والسموم وغيرها بطريقة مؤكدة جداً حتى مع عدم وجود مادة قياسية، وذلك لتوفر مكتبات (Libraries) لهذه المواد وللدقة (Accuracy) والاختيارية (Selectivity) العالية لهذه الأجهزة، خصوصاً في تحليل العينات المعقدة مثل العينات الحيوية مثل الدم والبول والأنسجة.

مطياف الكتلة المزدوجة (LC-MS-MS):

مطياف الكتلة:

يعتمد مبدأ مطياف الكتلة على ترشيد المركبات الكيمائية لتوليد جزيئات مشحونة ومن ثم قياس نسبة كتلتها إلى شحنتها. تتم العملية باختصار بتأين المركبات الكيميائية بطرق مختلفة؛ حيث تتشكل جزيئات مشحونة ثم يتولى جهاز المستقبل قراءة كتلتها ضمن حقول كهرومغناطيسية. يتكون جهاز مطياف الكتلة (شكل ٤) من ثلاث وحدات:

– منبع الأيونات أو مصدر التأين (Ionization source)

– جهاز تحليل وفرز الأيونات بحسب كتلتها وشحنتها (Mass analyzer)

– جزء الكاشف (Detector)

 

شكل ٤: مكونات مطياف الكتلة.
– منبع الأيونات أو مصدر التأين (Ionization source)
والذي يشطر المركبات الكيميائية ويولد الجزيئات المشحونة، وباختلاف طريقة التأين وظروفه تختلف أنواع منابع الأيونات. فقد يتم تأين المركبات بنسفها بحزمة إلكترونية Electron Impactor تحت ضغط جوي منخفض (وهذا مناسب للمواد الغازية، ولذلك يرتبط دائماً مع كروماتوغرافيا الغاز)، وقد يتم التأين في ضغط جوي طبيعي، ولكن يتضمن ترذيذ العينة وتحويلها إلى حالة بخارية في ظروف مغلقة وتحت تأثير جهد كهربائي عال جداً، مما يؤدي إلى تأين المركبات وتبخر المذيبات السائلة الناقلة لها. وكمثال لمصادر التأين هذه  ESI-MSوAPCI-MS (شكل ٥) وهذه المصادر مناسبة للعينات السائلة غير الغازية، وتلك التي لها صفة قطبية عالية أيضاً.
وهناك أنواع أخرى لمنابع الأيونات، ولكن ما يهمنا في هذا المقال في مجال العلوم الجنائية وعلم السموم هو مصدر التأين اللحظي المباشر DART-MS Direct  Analysis in Realtime  ، وهي تقنية حديثة لتأين العينات تتم في ظروف الضغط  الجوي الطبيعي وفي بيئة مفتوحة تماماً، وذلك بتسليط شعاع ساخن من غاز خامل على العينة، الأمر الذي يؤدي إلى انحلال وتأين جزيئات من العينة في وضعها الطبيعي في الهواء دون الحاجة إلى تحضير العينة باستخلاصها أو إدخالها إلى حجرة للتأين داخل الجهاز، وهذا ما يسمى DART وهو موضوع حديثنا بقية هذا المقال.
نظرية عمل DART: يعرض غاز خامل مثل الهيليوم إلى تيار كهربائي بعدة آلاف فولت، فيتسبب ذلك في هيليوم متأين وجزيئات متهيجة من الهيليوم. يتم حجب الهيليوم المتأين، وتترك جزيئاته المنشطة (المتهيجة) لتخرج من مصدر التأين، وتتفاعل مع الهواء والرطوبة ثم تمر عبر أنبوب ساخن، وتصطدم بسطح العينة، وتسبب فرز وتأين وتطاير جزيئات من العينة لتدخل إلى مطياف الكتلة (شكل ٦). ويستطيع مطياف الكتلة المرتبط بهذا المصدر أن يعمل في الحالة الموجبة والسالبة (٣).
يعتبر التأين بهذا المصدر تأيناً لطيفاً، حيث إنه لا يكسِّر مركبات العينة، ولذا فهو أنفع في التحليل الجنائي وتحليل السموم والمخدرات من كروماتوغرافيا الغاز المرتبط بمطياف الكتلة، إذ لا تظهر كتلة المركب الأم لبعض الأدوية التي يساء استعمالها مثل الامفيتامين والكاثينون نتيجة التكسُّر الكثيف أثناء النسف بالشعاع الإلكتروني مثلاً، الأمر الذي لا يوجد في مطياف الكتلة ذي مصدر التأين المباشر DART.
– جهاز تحليل وفرز الأيونات بحسب كتلتها وشحنتها (Mass analyzer)
وذلك بتطبيق حقول كهرومغناطيسية على الجزيئات، الجزيئات المنفصلة عن العينة والتي لها تناغم مع هذه الحقول الكهرومغناطيسية هي التي تواصل مرورها حتى تصل إلى جزء الكاشف (Detector)، وأما تلك التي ليس لها تناغم فإنها تُوأدُ خلال الممر قبل وصولها إلى الكاشف، وبتغيير الحقول الكهرومغناطيسية هذه نتمكن من فرز المركبات المرغوب تحليلها واستبعاد غير المرغوب فيها (وهذا ما يسمى مطياف الكتلة الرباعي Quadrupole)شكل ٧( وهو جهاز مفضل لعمليات التحليل الكمي نظراً لدقته الفائقة.
وقد يتم فرز الأيونات بدفعها للتسابق في حقل كهرومغناطيسي، ويعتمد وصولها لجزء الكاشف على ثقل كتلتها، ومقدار شحنتها (مطياف الكتلة بوقت الرحلة –Time of flight -TOF ) )شكل ٨( وهذا هو المفضل في تحليل العينات الكيفي أو النوعي، نظراً لقدرته الاختيارية (Resolution) الفائقة، حيث تصل قدرة بعض الأجهزة الحديثة إلى التفريق بين جزيئين متأينين بفرق يصل إلى أربعة أرقام بعد الفاصلة.
إن ربط DART-TOF  مع مطياف آخر مثل المطياف الرباعي DART-QTOF زاد من اختيارية وحساسية ودقة هذه الأجهزة وقدراتها على التعرف على المركبات بصورة كبيرة جداً حتى في العينات المعقدة جداً مثل الخلاصات الحيوية (الدم وسوائل الجهاز الهضمي… إلخ)، خصوصاً عند ربط هذه التقنية بكروماتوغرافيا السائل عالي الأداء (LC-DART-QTOF)، حيث تمكنت عدة شركات من بناء قواعد معلومات ومكتبات لكثير من نواتج الأيض والسموم والمخدرات، مما جعل التعرف على العينات سهلاً جداً ومؤكداً بصورة يمكن الجزم بها. ولتحسين القدرات النوعية لهذه الأجهزة أيضاً، أضاف العلماء خاصية التشريد بالتأين الكيميائي (CID)، وذلك لتكسير المكونات الكيميائية المعقدة بصورة لطيفة للمحافظة على هوية مكونات العينة، وفي الوقت نفسه إنتاج جزيئات من مكونات العينة بتفكيكها إلى أجزاء كبيرة يسهل كشفها، مما يسهم في تحسين التعرف على العينة (شكل ٩) وهذا هو موضوع حديثنا في هذا المقال في هذا الجزء من مطياف الكتلة أيضاً.
– جزء الكاشف (Detector)
وهو الجزء الذي يستقبل الأيونات ويحولها إلى نبضات كهربائية ليتم قراءتها وإظهارها. وسينصب الحديث في هذا المقال على تطبيقات QTOF-DART-MS الجنائية والسموم.
شكل ٥: مصدر التأين بالترذيذ في الظروف المغلقة وتحت جهد كهربائي عال (ESI).
شكل ٦: مصدر التأين اللحظي المباشر (٥).
شكل ٧: مطياف الرحلة الرباعي (Quadrupole).
شكل 8: مطياف الكتلة بوقت الرحلة.
شكل ٩: مطياف الكتلة الرباعي المرتبط بمطياف وقت الرحلة (QTOF).
تحليل مطياف الكتلة اللحظي المباشر بواسطة وقت الرحلة المرتبط بمطياف الكتلة الرباعي (QTOF-DART-MS)
أصبح QTOF-DART-MS تقنية متفقاً عليها للتحليل السريع لمطياف الكتلة لمجموعة كبيرة ومتنوعة من العينات ( شكل ١٠) ولغرض الاختصار سنرمز لهذه التقنية في بقية المقال بـDART-MS .
يتميزDART-MS  بقدرته على تحليل العينات في ظروف الضغط الجوي الطبيعي في البيئة المفتوحة بخلاف أنواع الكتلة الأخرى مثل ESI-MS  أو APCI-MS  والتي تساعد في تحليل العينات في ظروف الضغط الجوي الطبيعي، ولكن في بيئة مغلقة تتضمن ترذيذ العينة قبل دخولها إلى مطياف الكتلة.
الجديد الذي يضيفه DART-MS  هو قدرته على تحليل العينات في وضعها الطبيعي، سواء كانت في شكل صيدلاني أو ملتصقة بالأرض أو ملوثة بالتربة أو منتشرة على الأسطح أو حتى على جلد الإنسان، وسواءً كانت صلبة أو سائلة أو خلاصات حيوية أو أنسجة دون الحاجة إلى نزع العينة من المواد Matrix  المختلطة معه بالاستخلاص Extraction.
شكل ١٠: تحليل ورقة شجرة بواسطة DART-MS (٥).
تطبيقات مطياف الكتلة ذي مصدر التأين المباشر اللحظي DART-MS:
نتيجة للمرونة في تحليل العينة في أوضاعها الطبيعية، ولتيسر تحليل العينات دون الحاجة إلى معالجة فقد تم تجريب هذه التقنية في مجالات كثيرة من مجالات التحليل الجنائي وتحليل السموم والمخدرات، وإليك بعض هذه التطبيقات:
أ- بعض تطبيقات DART-MS  في تحليل الأدلة الجنائية:
يشكل هذا المطياف ثورة في التحليل الجنائي وعلوم السموم، وذلك لأنه تحليل لحظي وممكن حتى للكميات الضئيلة من الأدوية والتي يمثل تحليلها معضلة حقيقية وتحدياً كبيراً بالنسبة لأجهزة التحليل الأخرى. وسنستعرض هنا بعض الأمثلة لهذه التحاليل:
التأين اللطيف جداً لتقنية DART  جعل هذه التقنية مناسبة لتحليل المواد غير المستقرة بطبعها، وتلك التي لها درجات حرارة تطاير منخفضة، لذا تمكن مجموعة من الباحثين من تحليل ٢٢ مادة متفجرة لتراكيز تصل إلى ١٠٠ بيكو جرام \ميكرو وليتر (٤)،  كما تمكن آخرون من التعرف على بقايا المتفجرات على التربة بكميات تصل إلى ١٠ ميكرو جرام، وكذلك تم التعرف على بقايا مادة النيتروجليسرين على الملابس بعد التعرض للانفجار بثماني ساعات (٤).
وأيضاً تم التعرف على متبقيات المتفجرات على بصمات الأصابع على بعض الأسطح لمستويات دنيا وصلت إلى نانو جرام (٥) (شكل ١١).
في تجربة تبين مدى دقة وحساسية هذه التقنية، تم تلويث بصمة إصبع إنسان بميكروجرام واحد من مادة TNT، ثم بعد لمس شريط بلاستيكي بهذه البصمة الملوثة مرات عديدة (٥٢ مرة) تم التعرف على TNT بحساسية جيدة والتفريق بين كتلة هذه المادة (m/z 227.018) وكتلة الحامض الدهني ميريستيك (m/z 227.201) والذي يوجد في زيوت الطبخ، وقد تم التعرف حتى بعد ٥٢ مرة من مماسة الشريط البلاستيكي بنفس البصمة الملوثة (6).
نون اكسيلون-9 عبارة عن بوليمر معقد مكون من تكرار مادة نونيلفينول-ايثر، ويستعمل لتزييت الواقيات الذكرية. لقد تم كشف والتعرف على نون اكسيلون-9 من مسحة للمهبل بعد ثلاث ساعات ونصف من عملية المعاشرة الجنسية مع رجل استعمل واقياً ذكرياً (٦) (شكل ١٢).
 كما تم تطبيق هذه التقنية على التعرف على أحبار البنوك والرذاذ على الأوراق البنكية (شكل ١٣).
 أمكن تحليل طلاء الجدران الورقية والخشبية بمستويات تصل إلى ميكروجرام، وقد مكنت دقة هذه التقنية العالية وقدرتها على التمييز على التعرف على المركبات المستهدفة دون تداخل الأجزاء المختلطة من العينات.
 قام مجموعة من الباحثين باستعمال هذه التقنية في تحليل أدلة الاعتداء الجنسي؛ حيث تم التعرف بدقة عالية على متبقيات المراهم وتركيبها الكيميائي، كما تم التعرف على ماركة الواقيات الذكرية ومصنعيها، وهذا شيء مفيد في مطابقة الأدلة حال عدم وجود المورثات الجينية (DNA) نتيجة عدم وجود السائل الذكري مثلاً (٥).
تعتبر أحبار الطباعة للطابعات العادية وطابعات الليزر عينات معقدة، وتحتوي على مواد غير متطايرة لتثبيت الأحبار أثناء الطباعة، وعلى الرغم من صعوبة تحليل هذه العينات إلا أنه تم تحليل ٣١٩ عينة مختلفة تمثل قصاصات أوراق من أحبار طباعة ملونة من ٩ ماركات مختلفة وقصاصات أوراق بنكية من بنوك تنتمي إلى ٢٤ دولة بواسطة تقنية DART-MS، وقد تم التفريق بين الأحبار الصادرة من خراطيش مختلفة من مصنع واحد، وكذلك من مصانع مختلفة، كما تم التعرف على مواد البلاستيك المصاحبة للأحبار – والمتحللة منها – الموجودة على الأوراق البنكية والسواغات المستعملة في تثبيت الحبر على هذه الأوراق (٧).
حظيت هذه التقنية أيضاً بتطبيقات في تحليل محفزات الاحتراق، حيث تم رش ٦ قطع سجاد، كل قطعة بواحد من هذه المواد التالية: كحول ايسوبروبايل، زايلين، مزيل الأصباغ، ميثيل ايثيل كيتون، وقود الديزل، والقاز.
تم حرق قطع السجاد وبعد أن انطفأت تم تعريض بقايا السجاد إلى DART-MS  مباشرة، وفور وضع متبقيات السجاد أمام مصدر التأين المباشر لوحظ ظهور طيف كتلة واضح جدا لكل واحد من هذه المحفزات، كما تبين أن مكونات بقايا السجاد لم تتداخل مع كتلة محفزات الحريق (٦).
لقد أمكن التعرف على غاز الأعصاب VX السام جدا من حوالي ٤٠ سطحاً مختلفاً، وذلك بتعريض السطح إلى مصدر التأين اللحظي مباشرة على الرغم من القدرة الضعيفة لمركب VX على التطاير (٦).
هناك تطبيقات اخرى كثيرة جدا لهذه التقنية في تحليل البلاستيك والغراء والألياف وبخاخات الدفاع عن النفس والأدوية الصيدلانية والأعشاب الطبية، إضافة إلى تطبيقات نسيجية وتشخيصية كثيرة.
شكل ١١: تحليل متبقيات المتفجرات على بصمة الإنسان (٦).
شكل ١٢: التعرف على متبقيات الواقي الذكري نون كسيلون-9.
شكل ١٣: تحليل أحبار البنوك على الأوراق النقدية بتقنية DART-MS.
ب- بعض تطبيقات  DART-MS الدوائية والسموم:
شمولية هذه الأجهزة ليست فقط في التعرف على الأدوية التي يساء استعمالها والسموم وإنما أيضاً في التعرف على المخاليط المركبة من الأدوية المزيفة ومتبقيات الأدوية المحظورة على الأسطح والأدوية المختلطة بعينات معقدة مثل البول والأشربة المغشوشة ومضافات المشروبات وغيرها.
 هذه التقنية معتمدة للتحليل الجنائي وموثقة لدى القضاء للأدوية التي يساء استعمالها في بعض دول العالم مثل الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن هذه التقنية ليست قادرة على التعرف على المواد بكميات ضئيلة جدا فحسب، بل إنها قادرة على التفريق بين المركبات المتشابهة مثل الكوكايين وسكوبولامين.
المعلومات التي يتم الحصول عليها منDART-MS هي معلومات لحظية وأكثر ثراءً من تلك المعلومات التي نحصل عليها من كروما توغرافيا الغاز المرتبط بمطياف الكتلة.
توصلت بعض الشركات إلى تصميم طريقة تحليل تستطيع التعرف على ٤٥ من الأدوية المساء استعمالها في حقنة واحدة بقدرة تفريقية عالية بينها، وبسرعة فائقة.
تم تحليل عينات تحتوي على كلورامفيتامين، فلوروميث امفيتامين، هيدروكسي بيوتايريت، كيتامين، ميثامفيتامين، ميثايلين دايوكسي بايروفاليرون، ميثايل ايثكاثينون، نيم ايتازيبام في عينات سائلة حقيقية في ثوان قليلة (أقل من دقيقة) بكميات دنيا تصل إلى نانوجرام/ليتر (٨).
تمكن مجموعة من الباحثين من استعمال هذه التقنية في التعرف على دواء GHB (والذي يستعمل في حالات الاعتداء الجنسي والاغتصاب بإضافته إلى الشراب) في ٢٥ مشروباً مختلفاً بتركيز ٠.٠٥ مجم /مل في الوقت الذي يحتاج هذا الدواء إلى تركيز ١ كجم/مل ليعطي التأثير المخدر (٥).
أثبتت هذه التقنية قدرتها على التعرف على المستحضرات الصيدلانية المزيفة، وذلك بوضع أقراص الدواء كما هي في حجرة العينة بين مصدر التأين ومدخل مطياف الكتلة ليتم التعرف على المادة بصورة عاجلة جداً، أدوية سيلفون أميد كمثال (٩) – شكل ١٤.
وظف بعض الباحثين هذه التقنية للتعرف على المخدرات بعمل مسحة للأسطح الملوثة بها وتحليل تلك المسحة دون استخلاص أو معالجة للعينة (كما هو الحال GC-MS)، وهذا في غاية الفائدة في عمليات البحث والمسح لاكتشاف المعامل الخفية التي تعمل لتصنيع الميثامفيتامين، حيث إن تصنيع الميثامفيتامين ينتج عنه أبخرة وذرات متطايرة تلوث الجدران والأسطح (٥).
تمكن باحثون من التعرف على عشرة مخدرات بهذه الطريقة من بينها الهيروين والكوكايين  والميثامفيتامين (٥).
لقد وجد أن  DART-MS له القدرة على التعرف على مستويات تصل إلى ٠.٠٢٥ ميكروجرام /سم٣ من الأسطح الملوثة بمركبات الميثامفيتامين، كوكايين، كيتامين، فينسايكليدن وسودوافدرين، ومستويات تصل إلى 0.1 ميكرو جرام/سم3 من مركبات المورفين , ورباعي هيدروكانابينول , كما تم التعرف على الفسفور الأحمر واليود والتي تستعمل في تصنيع الميثامفيتامين والتي لا يمكن التعرف عليها بـ  GC-MS إلا بالاستخلاص والاشتقاق الكيميائي (٥).
 كما تم توظيف هذه التقنية في عمل تحليل كيميائي كامل لخمسة وعشرين مستحضراً من مستحضرات الكوكايين للتعرف على الكوكايين والمركبات المصاحبة له  مثل سينامويل كوكايين وإنهايدورايكقونين بدون معالجة وفي وقت قصير جداً (١٠).
شكل ١٤: تحليل قرص دوائي بتقنية مطياف الكتلة ذي مصدر التأين اللحظي المباشر.

خلاصة:

هناك تقنيات مختلفة للتحليل المعتمد على الكروماتوغرافيا ومطياف الكتلة مثل كروماتوغرافيا الطبقة الرقيقة، كوماتوغرافيا الغاز المرتبط بمطياف الكتلة، كروماتوغرافيا السائل عالي الأداء، وكروماتوغرافيا السائل عالي الأداء المرتبط بمطياف الكتلة أو الكتلة المزدوجة. جميع هذه التقنيات تستعمل بصور مختلفة في تحليل العينات الجنائية والأدوية والسموم، إضافة إلى تطبيقات أخرى كثيرة.
نظرا للحاجة إلى الموثوقية العالية والسرعة، الأمر الذي يتعذر مع التقنيات التي تحتاج إلى تحضير العينة إما بالاستخلاص أو الاشتقاق الكيميائي، فقد تم حديثا تدشين تقنيات حديثة لسد هذه الثغرة مثل مطياف الكتلة ذي مصدر التأين اللحظي المباشر (DART-MS) والذي لا يتطلب سوى تعريض العينة مباشرة في حالتها الطبيعية – دون تحضير- إلى مصدر التأين ليتم تحرير جزيئات مكونات العينة المتأينة واكتشاف كتلتها وكتلة جزيئاتها المتأينة، والتعرف عليها بالرجوع إلى مكتبات مخزنة في الجهاز. هذه التقنية بدأ ينتشر استعمالها في تطبيقات كثيرة جدا من أهمها التطبيقات الجنائية وتحليل الأدوية والسموم والمتفجرات وبحدود تعرف دنيا ضئيلة جدا.

المراجع:

  1. Scientific Working Group for the Analysis of Seized Drugs. Recommendations of the Scientific Working Group for the Analysis of Seized Drugs. www.swgdrug.org

      2.microTLC: http://www.fieldforensics.com/images/application_notes/2014Expl11_microTLC_Explosives_in_Soil_LowRes_R0.pdf.

  1. Jones RW, Cody RB, McClelland JF. Differentiating writing inks using direct analysis in real time mass spectrometry. J Forensic Sci 2006, 51 (4):915–8.
  2. Swider JR. Optimizing AccuTOF/DART for explosive residue analysis. J. Forensic Sci. 2013, 58(6), 1601–1606.
  3. Lesiak, D.A. and Shepard, J.R.E. Recent advances in forensic drug analysis by DART-MS. Bioanalysis 2014, 6 (6), 819-842.
  4. Larame, J.A., Cody, R.B., Nilles, M.J. and Durst, H.D. Forensic Applications of DART-MS. In: Blackledge, R.D. Forensic Analysis on cutting edge. 2007, John Wiley and Sons Inc,
  5. Williamson, R., Raeva, A., Almirall, J.R. Characterization of Printing Inks UsingDART-Q-TOF-MS and Attenuated Total Reflectance (ATR) FTIR.J Forensic Sc, 2016, (61),706-714).
  6. Chen T.H, Hsu, H.Y. Wu, S.P. The detection of multiple illicit street drugs in liquid samples by direct analysis in real time (DART) coupled to Q-orbitrap tandem mass spectrometry. Forensic Sci Intern 2016, (267), 1-6.
  7. Fernandez FM, Cody RB, Green MD et al. Characterization of solid counterfeit drug samples by desorption electrospray ionization and direct-analysis-in-real-time coupled to time-of-flight mass spectrometry. ChemMedChem 2006,1(7), 702–705.
  8. Ropero-Miller JD, Stout PR, Bynum ND, Casale JF. Comparison of the novel direct analysis in real time time-of-flight mass spectrometry (AccuTOF-DART™) and signature analysis for the identification of constituents of refined illicit cocaine.Microgram 2007,5(1–4), 34–40.

نُشرت المقالة في العدد الخامس من مجلة المجموعة العلمية لعلوم الأدلة الجنائية

شكرا على تعليقك،