التصوير التشخيصي بالأشعة في الطب الشرعي .. التطبيقات والاحتياطات


د. أسامة بن سعيد الصيرفي

أستاذ مساعد بقسم علوم الأدلة الجنائية بكلية الملك فهد الأمنية


يعد توظيف التصوير التشخيصي بالأشعة من المجالات المستحدثة ضمن مجالات الطب الشرعي والأدلة الجنائية، وفي كثير من الأحيان يتطلب من خبراء الطب الشرعي والأنثروبولوجيا والأدلة الجنائية إجراء الفحوصات باستخدام تقنيات التصوير بالأشعة أثناء عملية الفحص والتحقيق في القضايا الجنائية وقضايا الكوارث الجماعية. وتتضمن هذه التقنيات على سبيل المثال لا الحصر:

  • الفحص بالأشعة السينية.
  • الفحص بالموجات فوق الصوتية.
  • تصوير الأسنان.
  • الفحص بالأشعة المقطعية.
  • الفحص بالرنين المغناطيسي.
  • تقنيات حقن الصبغات والتصوير الإشعاعي.
  • استخدام النظائر المشعة في التشخيص (الطب النووي).

ولكن قد يتبادر لنا السؤال عن أسباب استحداث استخدام هذه التقنيات في مجالات الطب الشرعي والأدلة الجنائية والتي عزيت لما يلي:

  • الحد من التدخلات الجراحية مقارنة بعملية التشريح التقليدي، مما يقلل من الرفض المجتمعي لإجراء التشريح للمتوفين.
  • التوفير في الوقت والجهد المستخدم في عملية التصوير بتقنيات الأشعة المختلفة مقارنة بالوقت المطلوب لإجراء عملية التشريح التقليدي.
  • القدرة على عرض الفحص للتقييم من خلال عدة خبراء بشكل مستقل زماناً ومكاناً دون الإضرار بالفحص الأساسي.
  • أرشفة صور ثنائية وثلاثية الأبعاد للدليل لمدد زمنية طويلة دون الخشية من تحلل الدليل الأصلي بعامل التغيرات الزمنية أو تعرض الفحص ذاته للتلف.

ويتم استخدام تقنيات التصوير التشخيصي بالأشعة في كثير من مجالات الطب الشرعي، ومن أهم تلك التطبيقات:

  • التحقيق في الجروح الناجمة عن الإصابات النارية.
  • تشخيص حالات العنف الأسري وسوء معاملة الأطفال.
  • تحديد الهوية وخاصة في حالات الكوارث الجماعية.
  • تشخيص الإصابات والكسور في حالات الأحياء والوفيات.
  • تشخيص حالات التسمم ومهربي المواد المخدرة.

أولا: التحقيق في الجروح الناجمة عن الإصابات النارية:

يعد فحص الإصابات الناتجة عن إصابات الأسلحة النارية من أعقد الحالات التي تعرض على الطبيب الشرعي للكشف عليها، حيث إن نواتج الإطلاق تنتقل داخل الجسم بفعل الطاقة الناتجة عن احتراق البارود إلى أماكن غير متوقعة، وخاصة إذا اصطدمت بالعظام في طريقها. لذا يتحتم على الطبيب الشرعي استخدام جميع الوسائل المتاحة، بهدف الوصول إلى التشخيص الدقيق في حالات الإصابات النارية. ومن أهم تلك الوسائل وأكثرها توفيراً للوقت وأقلها تكلفةً؛ الكشف على إصابات الأسلحة النارية باستخدام الأشعة السينية، والذي يمكن الطبيب الشرعي من تحقيق ما يلي:

  • تحديد موقع استقرار المقذوف داخل الجسم، وذلك عن طريق إجراء التصوير من المنظور الأمامي الخلفي، بالإضافة إلى المنظور الجانبي لجسم الشخص المصاب، وذلك لتحديد موقع المقذوف المستقر بدقة داخل الجسم بغض النظر عن مساره والذي قد يتغير بفعل الاصطدام بالعظام داخل الجسم.
  • تحديد عدد المقذوفات المستقرة داخل الجسم ومطابقتها مع عدد الأظرف الفارغة للطلقات والمرفوعة من موقع الحادث وعدد فتحات الدخول في جسد الضحية. ففي بعض الأحيان قد يشخص التصوير بالأشعة عدداً أكبر من المقذوفات المستقرة مقارنة بفتحات الدخول الموجودة ظاهريا في جسم الضحية كما في حالات الإطلاق من سلاح ناري تلقائي ومتعدد الطلقات، وذلك من خلال دخول أكثر من طلقة من نفس فتحة الدخول أو كما في حالات دخول المقذوف الناري في أماكن مخفية من الجسم كالفتحات الطبيعية لجسم الإنسان أو في منطقة مزدحمة بالثنايا الجلدية.
  • المساعدة في الاستعراف عن تعدد استخدام الأسلحة المستخدمة في الإطلاق، وذلك في حال إن تم الكشف عن تعدد العيارات باستخدام المقارنة بين حجم الظلال الشعاعية لكل مقذوف على حدة. ولكن يجب الوضع في الاعتبار أن تحديد عيار المقذوف باستخدام الأشعة التشخيصية له بعض القيود التي قد تؤدي إلى تشخيص غير دقيق لعيار المقذوف.
  • تحديد اتجاه الإطلاق من خلال تصوير الشظايا المعدنية التي تتركها الطلقة في مسارها وحتى استقرارها داخل الجسم، وكذا من اتجاه تناثر العظام إثر ارتطام الطلقة بها أثناء انتقالها داخل الجسم، ومن ثم يتم مطابقة تلك المعلومات مع ما تم رفعه من موقع الحادث لتحديد موقع الجاني.
  • الاستعراف على الإصابات المستترة للأسلحة النارية، وذلك في حالات تحلل الجسم أو احتراقه أو غمره في المياه لمدة طويلة أو إذا كانت فتحة الدخول في أماكن مخفية من الجسم كما عرضنا سابقاً، وذلك عن طريق الاستعراف على ظلال الأشعة للشظايا المعدنية المستقرة في جسد الضحية.
  • تحديد نوع السلاح المستخدم في الإطلاق، وذلك في حالات استخدام الأسلحة ذات السبطانة الملساء والتي يتميز المقذوف الناتج عنها بانتشاره على مسافة تتناسب طردياً مع مسافة الإطلاق.
الشكل: يظهر منظور أمامي وخلفي ومنظور جانبي للصدر باستخدام الأشعة السينية ويظهر المقذوف في منتصف الصدر بجانب جدار القلب
الشكل: يوضح صورة بالأشعة السينية تظر شظايا المقذوف في مساره داخل تجويف الصدر.

لكن يوجد بعض الاحتياطات التي يجب توخيها عند فحص إصابات الأسلحة النارية باستخدام الأشعة التشخيصية:

  • قد يؤدي دخول المقذوف إلى بعض الأعضاء ذات الطبيعة الانبوبية مثل الأوعية الدموية، الأمعاء، القناة الشوكية أو مجرى التنفس إلى انتقالها عبر هذا المجرى إلى أن تستقر في مكان آخر من الجسم بعيداً عن فتحة الدخول، ومن الممكن أيضاً أن تنتقل داخل التحيزات غير المقيدة كالتجويف الجنبي والتجويف البلوري.
  • عدد المقذوفات المستقرة لا يمكن الجزم به بشكل دقيق إلا بعد استخراجها ومطابقتها، حيث إنه في بعض الأحيان قد تنفصل أجزاء من المقذوف داخل الجسد، وقد توحي بوجود مقذوفين بدلاً من مقذوف واحد، وكذا قد يؤدي التشويش الناتج عن بعض الأجزاء المعدنية بالملابس إلى النتيجة نفسها.
  • لا يمكن تحديد عيار المقذوف بشكل دقيق من خلال التصوير بالأشعة التشخيصية، وذلك لتداخل عوامل التكبير والتصغير في حجم ظل المقذوف الناري
  • من الأخطاء الشائعة في استخدام الأشعة التشخيصية أيضا أن يتم تحديد مسافة الإطلاق بناء على معدل انتشار ظلال الكرات الرشية داخل الجسم، ولكن يجب أن يوضع في الاعتبار تأثير الإزاحة التي تقوم به بعض الكرات الرشية مع بعضها البعض بعد دخولها إلى الجسم أو ما يسمى بتأثير كرات البلياردو.
يوضح الشكل موقع دخول الكرات الرشية أعلى يسار الصدر ومدى انتشار الكرات الرشية داخل الصدر بتأثير كرات البلياردو.

ثانياً: تشخيص حالات العنف الأسري وسوء معاملة الأطفال:

في ظل التغيرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي حدثت في المجتمعات وما تبعها من ظهور قوانين تُعني برعاية الفئات الخاصة بالمجتمع كالأطفال والنساء، أصبح من الضروري على الطبيب الشرعي الإلمام بطرق تشخيص حالات العنف الأسري وسوء معاملة الأطفال. ويعد استخدام التصوير التشخيصي بالأشعة من أهم الوسائل المستخدمة في تشخيص وتوثيق حالات العنف الأسري وسوء معاملة الأطفال.

وعلى الرغم من أن الكسور غير المتعمدة هي الأكثر شيوعاً بين الأطفال إلا أن الطبيب الشرعي يحتاج إلى أن يستبعد الإيذاء الجسدي للأطفال، ولا يمكن لأي نمط إصابي أن يستبعد إساءة معاملة الأطفال، وتعتبر إصابات العظام من أهم الإصابات التي تساعد في تشخيص مثل تلك الحالات. ونعرض فيما يلي بعض أنماط الكسور التي تميز حالات العنف الجسدي ضد الأطفال:

يوضح الشكل كسراً في الكردوس الداني من القصبة على شكل مقبض الدلو.
  • تعدد الكسور في العظام وخاصة في عظام الأطراف والتي تكون قد وقعت على فترات زمنية متعددة وفي مراحل مختلفة من الشفاء مع عدم وجود تاريخ إصابي متناسق مع تلك الإصابات، حيث إن الأطراف هي أسهل الأماكن التي يمكن من خلالها الإمساك بالطفل وسحبه أو هزه أو جعله يرتطم بما حوله.
  • قد يؤدي تعدد الإصابات في منطقة الكردوس العظمي إلى ضعف إمدادات التروية الدموية إلى منطقة الكردوس وعدم انتظام نموه وخاصة في منتصفه مقارنة بأطرافه، مما يؤدي إلى ظهوره على شكل كوب مقعر إلى الداخل أو قد يظهر على شكل متعرج.
  • قد تنتج كسور عرضية في عظام الأطراف في حال الجذب بشدة على يد الطفل أو كسور حلزونية في حال ليّ هذا الطرف بقوة وخاصة في حال الأطفال غير القادرين على الحركة.
  • تعتبر كسور لوح الكتف وكسور ضلوع القفص الصدري وخاصة كسور الجزء الأنسي الخلفي من الضلوع من أكثر أنواع الكسور شيوعاً والتي تدعو للاشتباه في تشخيص العنف ضد الأطفال، وتعد كسور ضلوع القفص الصدري من أصعبها في التشخيص وخاصة في الكسور الحديثة نوعاً ولكن حيث إن حركة الضلوع ضعيفة فإنها تلتئم بتكوين دَشْبَذٌ عَظْمِيّ (Callus) والذي يزداد وضوحا في صور الأشعة بمرور الوقت.
يوضح الشكل كسراً حلزونياً في عظم العضد.

وهناك بعض الحالات المرضية والكسور التي تشتبه مع تلك الإصابات، لذا وجب التنويه عنها فيما يلي:

  • يظهر التكلس الفسيولوجي السِمْحاقِيّ في الأطفال حديثي الولادة حتى عمر 4 أشهر على شكل تكلس خطي على جانبي العظم وبشكل متماثل بكلا جانبي الجسم بعكس التكلس الذي يحدث في حالات إيذاء الأطفال نتيجة لتكلس التجمعات الدموية تحت الغشاء السِمْحاقِيّ ويظهر على شكل تكلس خطي على أحد جانبي العظم وبشكل غير متماثل على كلا جانبي الجسم.
  • يجب التمييز بين الكسور الناتجة عن سوء معاملة الأطفال وبعض الكسور الشائعة الحدوث في الأطفال مثل كسر عظم الترقوة في بعض حالات الولادة المتعثرة وكسر فوق لقمة عظمة العضد في حال السقوط بثقل الجسد على الذراع وهي ممدودة.
  • وهناك أيضاً بعض الأمراض التي قد تحاكي فيها الاعراض الخاصة بالعظام الإصابات الناتجة عن سوء معاملة الأطفال مثل مرض الاسقربوط ومرض تكَوُّنُ العَظْمِ النَّاقِص ومرض الزهري الخلقي، بالإضافة إلى متلازمة الشعر المُفَتَّل، وفي جميع تلك الأمراض يتم تشخيصها من خلال الطبيب المختص.

المراجع:

  • AbuseWatch.net (2012) Prevention Resources for the Community and Professionals [Online]. Available at https://www.abusewatch.net/child_medimage.php#3 (Accessed 5 January 2019).
  • Arthurs, O. J., Taylor, A. M. and Sebire, N. J. (2015) ‘Indications, advantages and limitations of perinatal postmortem imaging in clinical practice.’, Pediatric radiology, vol. 45, no. 4, pp. 491–500 [Online]. DOI: 10.1007/s00247-014-3165-z.
  • Baglivo, M., Winklhofer, S., Hatch, G. M., Ampanozi, G., Thali, M. J. and Ruder, T. D. (2013) ‘The rise of forensic and post-mortem radiology—analysis of the literature between the year 2000 and 2011’, Journal of Forensic Radiology and Imaging, Elsevier, vol. 1, no. 1, pp. 3–9.
  • Bassett, A. (2018) Pediatric Abuse [Online]. Available at https://www.orthobullets.com/pediatrics/4001/pediatric-abuse (Accessed 4 January 2019).
  • Bev Fitchett’s Guns Magazine (2018) Gunshot Wounds [Online]. Available at https://www.bevfitchett.us/gunshot-wounds/o-mxs.html (Accessed 5 January 2019).
  • Finkbeiner, W. E., Connolly, A. J., Ursell, P. C. and Davis, R. L. (2009) Autopsy pathology: a manual and atlas, Elsevier Health Sciences.
  • Flaherty, E. G., Perez-Rossello, J. M., Levine, M. A. and Hennrikus, W. L. (2014) ‘Evaluating Children With Fractures for Child Physical Abuse’, PEDIATRICS, vol. 133, no. 2, pp. e477–e489 [Online]. DOI: 10.1542/peds.2013-3793.
  • Frost, R. E. and Denton, J. S. (2015) Forensic Pathology of Firearm Wounds [Online]. Available at https://emedicine.medscape.com/article/1975428-overview#a10.
  • Grabherr, S., Stephan, B. A., Buck, U., Näther, S., Christe, A., Oesterhelweg, L., Ross, S., Dirnhofer, R. and Thali, M. J. (2007) ‘Virtopsy–radiology in forensic medicine’, Imaging decisions MRI, Wiley Online Library, vol. 11, no. 1, pp. 2–9.
  • Hollerman, J. J., Fackler, M. L., Coldwell, D. M. and Ben-Menachem, Y. (1990) ‘Gunshot wounds: 2. Radiology.’, AJR. American journal of roentgenology, Am Roentgen Ray Soc, vol. 155, no. 4, pp. 691–702.
  • Kahana, T. and Hiss, J. (2010) ‘Forensic Radiology’, in Micheal, T. (ed), Forensic Pathology Reviews, Totowa, NJ, United States, Humana Press Inc., pp. 443–460.
  • Kleinman, P. K. (2015) Diagnostic imaging of child abuse, Cambridge University Press.
  • Kleinman, P. K., Marks, S. C. and Blackbourne, B. (1986) ‘The metaphyseal lesion in abused infants: a radiologic-histopathologic study’, American Journal of Roentgenology, Am Roentgen Ray Soc, vol. 146, no. 5, pp. 895–905.
  • Lax, E. A., Kiran, S. H. and Lee, M. W. (2014) ‘Bronchoscopic retrieval of a bullet using a Dormia basket: a case report.’, Journal of medical case reports, vol. 8, p. 358 [Online]. DOI: 10.1186/1752-1947-8-358.
  • Michael J., T., Mark D., V. and B.G., B. (2010) Brogdon’s Forensic Radiology, 2nd Ed., Bosa Roca, United States, Taylor & Francis Inc.
  • Saukko, P. and Knight, B. (eds.) (2015) Knight’s Forensic Pathology, 4th Ed., CRC Press.

نُشرت هذه المقالة في العدد السادس من مجلتنا.

Be the first to comment

شكرا لك على تعليقك،