المساهمات التاريخية للمسلمين والعرب .. في مجال الطب الشرعي والعلوم الجنائية

د. سها بنت محمد الفهيد*

عنــد قــراءة معظــم المقــالات العلميــة فإننــا نجــد وصفــاً مســهباً لمســاهمات وإنجــازات الكثــير مــن الشــعوب والحضــارات مثــل قدمــاء المصريــين، البابليــون، قدمــاء الهنــود، الإغريــق والرومــان وقدمــاء الصينيــين، لكــن معظــم المقــالات للأســف تشــير إلى توقــف في مســيرة التطــور العلمــي في مجــال الطــب الشرعــي والعلــوم الجنائيــة والســموم لمــدة تقــارب الألــف عــام؛ حيــث تذكــر تلــك المقــالات أنــه منــذ العــام ٥٦٤م وحتــى أوائل العــام ١٥٠٠م لم يحــدث أي تطــور علمــي يذكــر، وذلــك بســبب دخــول أوروبــا في العصــور المظلمــة، متناســين أنــه في الوقــت الــذي كانــت أوروبــا تمــر بعصــور الظــلام كان المســلمون يمــرون بالعصــر الذهبــي للحضــارة الإســلامية.

للإجابــة عــن الســؤال: هــل للمســلمين والعــرب أي مســاهمات في الطــب الشرعــي والعلــوم الجنائيــة والســموم؟

يجــب أولا ً تعريــف الطــب الشرعــي والعلــوم الجنائيــة: وهــي أي معلومات علميــة وطبيــة أو علــوم صحيــة مســاهمة يمكــن الاســتفادة منهــا في المجــال العــدلي مثــل علــم الأمــراض، علــم التشريــح، علــم العظــام، الســموم، طــب الأســنان، الأخطــاء الطبيــة، الأخــلاق الطبيــة، الطــب الشرعــي الإكلينيكي، النســاء والولادة، الجراحــة، علــم النبــات، علــم الحيــوان، علــم الحــشرات، الفيزيــاء، الكيميــاء، الجيولوجيــا، وغيرهــا مــن العلــوم.

معظــم المقــالات التــي تتحــدث عــن توقــف التطــور في الطــب الشرعــي والعلــوم الجنائيــة تعــزو ذلــك لتحريــم التشريــح دينيــاً واجتماعيــاً في العــالم. لكــن مــا مــدى صحــة ذلــك؟ وهــل فعــلاً لم يتــم التشريــح لأســباب دينيــة في العــالم الاســلامي؟ وهــل فعــلا لم يســهم العــرب في تطويــر علــم التشريــح؟ أســئلة كثــيرة حيرتنــي وجعلتنــي أبحــث في المســألة.
عندهــا تذكــرت روايتــي المفضلــة (حــي بــن يقظــان) لمؤلفهــا ابــن طفيــل الأندلســي، حيــث يوجــد فصــل بالكتــاب يتكلــم عــن تشريــح بطــل القصــة للأم التــي ربتــه. ويفصّل المؤلــف بالخطــوات والمشــاعر التــي أحــس بهــا بطــل القصــة أثنــاء تشريــح الغزالــة «أمــه» فتســاءلت هــل يعقــل أن يكــون ذلــك المؤلــف ذو الــشرح المســهب لم يمــارس التشريــح في حياتــه!

لكــن بعــد التمعــن بالبحــث وجــدت أنــه كان من أشــهر أطبــاء الأندلس وقــد مــارس التشريــح فعــلا ً هــو وأســتاذه … وقــد عمــل أيضــاً كقــاضي قضــاة الأدنلــس، مــما يجعلــه وأســتاذه مــن رواد مهنــة الطــب القضــائي أو العــدلي. يقــول اللــه ســبحانه وتعــالى :(وفي أنفســكم أفــلا تبـصـرون) (ســورة الذاريــات الآيــة ٢١) وهــو أمــر صريــح مــن رب العبــاد بالنظــر والتمحيــص بالنفــس البشريــة، وغيرهــا الكثير مــن الآيــات التــي تحــث عــلى الدراســة والعلــم والتمحيــص في مختلــف العلــوم، و مــن ضمنهــا التخلــق الجنينــي (اقــرأ باســم ربــك الــذي خلــق خلــق الإنســان مــن علق اقــر أوربــك الأكــرم) (ســورة العلــق الآيــة ١-٣) يقــول أبــو القاســم خلــف بــن العبــاس الزهــراوي في كتابــه الفريــد (التصريــف لمــن عجــز عــن التأليــف): «وينبغــي لصاحبهــا أي الجراحــة – أن يَرَتـاضَ قبــل ذلــك في علــم التشريــح، حتــى يقــف عــلى منافــع الأعصاب، والعضــلات، وعددهــا، ومخارجهــا، والعــروق والقوابــص، والســواكن، ومواضــع مخارجهــا؛ لأنــه مــن لم يكــن عالمــاً بمــا ذكرنا مــن التشريح، لم يخل أن يقع في خطأ يقتل الناس به ؛ كــما شــاهدتُ كثــيراً ممــن تصــور هــذا العلــم وادَّعــاه، بغــير علــم ولا درايــة، وذلــك أني رأيــتُ طبيبــاً جاهــلاً قــد شــقَّ عــلى ورم ختــوري في عنــق امــرأة، فأصــاب بعــض شريانــات العُنُــق فنــزف دم المــرأة حتــى ســقطت ميتــة». (مجلــة المجمــع الفقهــي الإســلامي، الســنة: ٦ عــدد: ٨، د. محمــد بن علي البــار) وفي مقولــة الزهــراوي وهــو مــن أكــبر علــماء الجراحــة ذكــر لأهميــة علــم التشريــح مــما يــدل عــلى ممارســتهم لــه في تلــك الحقبــة، ومثلهــا مقولــة ابــن رشــد القــاضي والطبيــب والمفكــر الإســلام« :مَــنِ اشــتغل بالتشريــح ازداد إيمانًــا باللــه»، ومقولة الشــيراوي في كتابــه نهايــة الرتبــة في طــب الحســبة وهــو كتــاب في أخلاقيــات المهــن الطبيــة (أن الطبيــب هــو الإنســان الــذي يعــرف مكونــات الجســم). (مجلــة المجمــع الفقهــي الإســلامي، السنة ٦ عــدد: ٨، د. محمــد بن علي البــار) مــن أشــهر العلــماء الذيــن مارســوا التشريــح ومفــق البغــدادي الــذي هاجــر مــن العــراق إلى مــر وقــت المجاعــة، ويذكــر بأنــه وطلابه قد فحصوا أكثر من ٢٠٠٠ رفات آدمــي، وعمــل تعديــلات في الوصــف الســابق لعظــام الفــك.
أمــا ابــن النفيــس (المكتشــف الأول للــدورة الدمويــة) فقــد ذكــر بأنــه ســيصعب رؤيــة الأوعيــة الدمويــة عندمــا يكــون ســبب الوفــاة نقــص في كميــة الــدم بالجســم مثــل الاسهال والنزيــف، ولكــن ســتصبح الأوعيــة الدمويــة أوضــح في الوفــاة بســبب الشــنق؛ لذلــك نصــح بسرعــة البــدء بالتشريــح. ومــن الأمثلــة الكثــيرة لذكــر أهميــة التشريــح في كتــب العلــماء العــرب مــا أورده أبــو القاســم الزهــراوي عــن أهميــة التشريــح وخطــورة الممارســة الطبيــة دون البــدء بالتشريــح قبــل الممارســة، وهــو أول مــن وصــف إصابــات الــرأس المصاحبــة لضربــات الســهام الحربيــة. وأيضــا وصــف الشــلل المصاحــب لإصابــات الحبــل الشــوكي. وهــذه العناوين تتشابه مع عناوين لكتب الطب الشرعي الحديثة عــن الإصابــات المتســببة مــن الطلــق النــاري وغيرهــا. كــما وصــف ابــن ســينا في كتبــه عناويــن كثــيرة مستخدمة حاليــاً مثــل أســباب الوفــاة بالحمــل والــولادة، أســباب الوفــاة المفاجئــة، وشرح عــن علــم العظــام، وتحديــد العمــر، وحتــى وصــف تحديــد عمــر الجنــين والتخلق الجنينــي، حيــث وضّح أن حركــة الجنــين تبــدأ عنــد حــوالي ٧٠ يومــاً مــن الحمــل، وأن الفاحــص ســيجد أنــه عنــد تســعة أيــام مــن حمــل الجنــين أنــه عبــارة عــن نقــط وخطــوط دمويــة ثــم بعــد ١٥ يومــاً يشــبه العَلَقــة ثــم بعــد ٢٧ يومــاً يتوقــف الجنــين عــن كونــه هلامــي الشــكل، وتســتطيع تمييــز الأعضــاء الرئيســية مثــل الــرأس والقلــب، وبعــد ٤٠ يومــاً ستــتطيع التفريــق بــين الــرأس والأطــراف العلويــة والســفلية كــما يقــدر مــدة الحمــل مــا بــين ٢١٠-٢٧٠ يومــاً، كــما تنــاول تحديــد عمــر الإصابــات ووصف وصنّف الكســور. إن أول مــن وصــف الجهاز الهضمــي هــو ابــن الأشــعث وذلــك قبــل بومانــت -المذكــور بمعظــم المقــالات بأنه أول من اكتشف الجهاز الهضمي- بحوالي ٩٠٠ ســنة. أســهب علــماء العــرب والمســلمين في الكتابــة والتأليــف عــن علامــات الوفــاة، ومع أن بعضهــا صحيــح والبعض الآخــر كان خاطئاً إلا أن مجــرد محاولــة وصفهــا كان تقدمــاً علميــاً واضحــاً، والعلامــات التــي وصفها مثــل توقــف التنفــس ونبضــات القلــب كــما بــروز العينــين وانخســاف الصدغــين والإغماء، وذكــر ابــن ســينا أن بــرودة الجســم بعــد الوفاة قــد تتأخر عندمــا يكــون ســبب الوفــاة الصرع والتســمم بالأفيــون كــما أنــه نصــح بعــدم إعــلان الوفــاة في حــالات الغــرق والســكتة إلا بعــد مــرور ٣ أيــام أو عندمــا تبدأ الجثة باصدار رائحة نتنة، حيث أن تلك الحالات قد تشابه الوفاة ويعتبر كلامه هذا عال الدفة حالياً رغم أنه كتبه قبل حوالي ١٠٠٠ عام. كما اشتهر العرب والمسلمون بالكيمياء والصيدلة والعلم السموم مثل الطبري وابن البيطار- الذي توفى متسمماً وهو يجــري أحــد أبحاثــه بنــوع مــن الســموم النباتيــة- وغيرهــم الكثــير مثــل ابــن جلجــل والإدريسـي وابــن الصــوري وابــن روميــة. واهتــم العــرب بالكثــير مــن فـروع الطــب الشرعــي الإكلينيــي مثــل تحديــد العمــر لأســباب قضائيــة واجتماعيــة مختلفــة مثــل عمــر أخــذ الجزيــة والمحاكمــة القضائيــة والبلــوغ لقضايــا مثــل فســخ الــزواج بحجــة عــدم البلــوغ وغيرهــا مــن الأســباب، ووصفــوا الإجهــاض وأســبابه – مثــل مــا ذكــره عريــب بــن ســعيد القرطبــي- وتحديــد عمــر الجنــين ومــدة الحمــل لأســباب قضائيــة كثــيرة مثــل المــيراث والنفقــة وغيرهــا، وتحديــد الجنــس مثــل مــا ذكــره الحمــوي عــن امــرأة بلحيــة تــم فحصهــا مــن قبــل القابــلات، وأثبتــوا أنهــا امــرأة. كــما وصفــوا فحــص العذريــة وفحــص الاعتــداءات الجنســية وتناولــوا الإصابــات الجســدية والديــات لكل إصابــة وتحديــد مــدة الشــفاء وأســباب الإصابــات مثــل كتــاب «الفروق» و«المغني المحتاج» للإمام القــرفي. كــما كُتبــت العديــد مــن المؤلفــات عــن أخــلاق المهــن الطبيــة والأخطــاء الطبيــة والعقوبــات المترتبــة مثــل «رســالة في الحسبة» للجرسيفي و«كتــاب الديــات» و«رسالة في القضاء والحسبة» رســالة في القضــاء والحســبة» لمؤلفه ابن عبدون.
إن الأمثلــة عــلى مســاهمات المســلمين والعــرب في مجــال الطــب الشرعــي والعلــوم الجنائيــة والســموم أكثر بكثــير مــما يمكــن جمعه في مقالة واحــدة، ولكــن أرجــو أن أكــون قــد أوصلــت للقــارئ أن مسـاهمات العــرب في هــذا المجــال بحــر كبــير، وتســتحق منــا القــراءة والتمحيــص والفخــر، وإكــمال المسـيرة التــي بدأهــا أجدادنــا في هــذا المجــال.

* استشارية الطب الشرعي بمركز الطب الشرعي بالدمام
ومديرة إدارة الشؤون الأكاديمية والتدريب بصحة الشرقية

نُشرت هذه المقالة في العدد الخامس من مجلة المجموعة العلمية لعلوم الأدلة الجنائية ٢٠١٧م

2 Comments

شكرا لك على تعليقك،